د. كاوه محمود
القسم الأول
أولاً: المقدمة
استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة، التي نُشرت بوصفها وثيقة رسمية في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، وكتب مقدمتها دونالد ترامب، تمثل خطابًا سياسيًا وتوجهًا واضحًا لرؤية الولايات المتحدة وإدارة ترامب تجاه موقع أمريكا في العالم، وماذا تريده في العالم ومن العالم؟
وبعبارة أخرى، كيف تتعامل الولايات المتحدة مع عالم اليوم من أجل ضمان استمرار سلطتها وهيمنتها على الصعيد العالمي؟
هذا السؤال، الذي يشكل جوهر هذه الوثيقة، يُطرح منذ البداية على نحو يكشف أن هذه الاستراتيجية لا تستند إلى أيديولوجيا سياسية تقليدية، بقدر ما ترتكز على خدمة المصالح الأمريكية، وتُختزل كلها في شعار واحد هو: "أمريكا أولاً".
ورغم أن الوثيقة نُشرت رسميًا في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، فإن دونالد ترامب، الذي كتب مقدمتها، يستعرض منذ البداية مجمل خطواته منذ توليه السلطة، ولا سيما تلك المتعلقة بقضية «الايديولوجيا الجندرية الراديكالية» داخل صفوف القوات المسلحة، وتعزيز الجيش، ورفع االنفقات العسكرية إلى أكثر من تريليون دولار، وفرض زيادة مساهمة دول حلف الناتو في الإنفاق العسكري من 2% إلى 5% من مجمل موازناتها، وزيادة إنتاج الطاقة، وفرض رسوم جمركية إضافية على واردات الدول الأخرى، والعمل على إعادة توطين الاستثمارات الصناعية داخل الولايات المتحدة.
وفي الوقت نفسه، يشير ترامب إلى ما يسميه «نجاحاته» في إنهاء ثماني حروب، بزعم أنها انتهت بوساطته، من بينها صربيا–كوسوفو، والكونغو، ورواندا، والهند–باكستان، وذلك في حين أن الأسباب الجذرية والعوامل الحقيقية لتلك النزاعات لم تُحلّ بعد.
ثانياً: المبادئ الأساسية لاستراتيجية الأمن القومي الواردة في الوثيقة
انطلاقًا مما تقدم، تستند المبادئ الأساسية للسياسة الخارجية والدفاعية والاستخباراتية لهذه الاستراتيجية إلى النقاط الرئيسة الآتية، والتي تُستخدم كأساس للتبرير والشرعنة في فرض الهيمنة الأحادية:
1ـ إعادة تعريف مفهوم المصلحة الوطنية الأمريكية باتجاه إنهاء التشوش والتوسع في إطار هذا المفهوم وحدوده، الذي كان في السابق يشمل قضايا متعددة دون تركيز واضح على موضوع أساسي ومحدد.
وفي هذا السياق، وعند الحديث عن ترتيب مناطق العالم المختلفة – وهو ما سأتطرق إليه في القسم الثاني – تميّز الوثيقة بين مناطق ذات أولوية قصوى ومناطق مغلقة، وأخرى من الدرجة الثانية. إلا أن القاسم المشترك في كيفية التعامل العملي معها يتمثل في حماية المصالح الحيوية، ولكن عبر آليات مختلفة.
2ـ تحقيق السلام عبر استخدام القوة والتدخل العسكري عند الضرورة.
هذا التوجه ينعكس في مجمل التدخلات العسكرية الأمريكية، والاستمرار في استخدام القوة في بؤر التوتر العالمية، وأداء دور «شرطي العالم» لفرض خياراتها ومصالحها. وبطبيعة الحال، فإن تحديد «الضرورة» في هذه التدخلات يعود إلى الرؤية الأمريكية نفسها، أي في اللحظات التي ترى فيها أن مصالحها الحيوية أو سياستها الهيمنية قد باتت مهددة.
3ـ اتباع الواقعية المرنة، وإقامة علاقات تجارية سلمية جيدة مع دول العالم، بعيدًا عن هاجس فرض الديمقراطية أو إحداث تغييرات اجتماعية قسرية، نظرًا لاختلاف التقاليد والخلفية التاريخية. وهذا المبدأ – كما ورد في الوثيقة – يجب أن لا يُنظر إليه باعتباره نفاقاَ.
ويُعد هذا المبدأ، ، تبريرًا للسياسة الأمريكية في أفغانستان وعودة طالبان إلى الحكم، وكذلك للاعتراف بالجولاني رئيسًا لسوريا، رغم أنه كان مدرجًا سابقًا على قوائم الإرهاب.
4ـ التعامل ضمن إطار الدولة القومية، بمعنى أن كل دولة تضع مصالحها في المقام الأول. وعلى هذا الأساس، لا تتردد الولايات المتحدة في حماية مصالحها دون أي حرج، ولا تقبل بفرض الرقابة أو القيود على خطابها وتوجهها السياسي من قبل المنظمات الدولية.
وقد تجلى هذا المبدأ سابقًا في خطوات الولايات المتحدة بالانسحاب من اتفاق باريس للمناخ، ومن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وكذلك من منظمة اليونسكو.
5ـ تحقيق توازن القوى، والتلويح بمفهوم العدالة انطلاقًا من عقلية حماية السيادة والهيمنة الأمريكية، بما يضمن أن يكون هذا التوازن – وخصوصًا في المجال التجاري – في خدمة المصالح الأمريكية.
ثالثاً: التوجهات الرئيسة لتنفيذ تلك المبادئ
1ـ عدم القبول بتحمل الأعباء وتولي المسؤوليات تجاه الإشكالات التي يواجهها النظام العالمي، مع التأكيد في هذه الوثيقة على إنهاء عصر الهجرة الجماعية وتحمل مسؤوليته بدافع انساني.
2ـ اعادة التموضع وترسيخ الاستقرار عبر الاتفاقيات السلمية، حتى مع الدول الواقعة على هامش المصالح الأساسية للولايات المتحدة، بما يحقق في النهاية استقرارًا يخدم تأمين مصالحها.
وفي هذا الإطار تندرج سياسة ترامب في فرض «اتفاقيات أبراهام» في الشرق الأوسط، وتطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، ولا سيما دول الخليج.
3ـ حماية الأمن الاقتصادي الأمريكي، وتحقيق التوازن في العلاقات التجارية، وتقليص العجز المالي، وضمان الوصول إلى المواد الخام، وتلبية احتياجات السوق، والعمل على السيطرة على مجال الذكاء الاصطناعي.
4ـ إعادة توطين الصناعة داخل الأراضي الأمريكية، وهو توجه يندرج ضمن السياسة الحمائية، ومواجهة اتفاقيات التجارة العالمية، عبر فرض زيادات جمركية.
5ـ إحياء وتطوير القواعد والبنى الصناعية العسكرية، باعتبار ذلك أساسًا لتطبيق رؤية ترامب بشأن «فرض السلام» عبر امتلاك القدرة على استخدام القوة.
6ـ استعادة الهيمنة الأمريكية في مجال السيطرة على مصادر الطاقة والموارد، وهو ما يستلزم – كما ورد في الاستراتيجية – رفض الالتزام بقضية التغير المناخي والحد من انبعاث الغازات السامة.
7ـ حماية سيادة وهيمنة رأس المال المالي الأمريكي والعمل على تطويره. ويعكس ذلك من جهة الدور المتعاظم للرأسمالية المالية في تطور النظام الرأسمالي في عصر العولمة، لكنه من جهة أخرى يتناقض مع السياسة الحمائية التي تتجلى في فرض الرسوم الجمركية.
يتبع…

مقالات

پەیوەندیکردن

   تەلەفۆن:  ٠٠٩٦٤٧٥٠٤٤٩٢٢٨٢

   ئەدرێس:  كوردستان - هەولێر - گەرەکی ئازادی

   ئیمێل  info@global-civilization.org